الذكاء الاصطناعي يخفف العبء عن هيئة الخدمات الصحية البريطانية NHS

Cybersecurity Arab

تواجه هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) في المملكة المتحدة ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تتزايد قوائم الانتظار، وتتفاقم مشكلات نقص الموظفين، وتلوح في الأفق إضرابات الأطباء. في ظل هذه التحديات الهائلة، يبرز الذكاء الاصطناعي (AI) كحل مبتكر وواعد للتخفيف من هذا العبء وتحسين كفاءة الرعاية الصحية. لم يعد استخدام الـ AI في القطاع الصحي مجرد رؤية مستقبلية، بل أصبح واقعاً ملموساً يساعد الأطباء والطواقم الطبية على إدارة أعداد متزايدة من المرضى، وتقديم رعاية أفضل خارج المستشفيات.

AI helping ease the UK's NHS burden
AI helping ease the UK's NHS burden
AI helping ease the UK's NHS burden

تحديات غير مسبوقة تواجه NHS

إن العلاقة بين كلمتي "ضغط" و"NHS" أصبحت متلازمة في المملكة المتحدة، ولا تلوح في الأفق أي بوادر لتخفيف هذا الضغط في أي وقت قريب. بينما تواصل هيئة NHS England جهودها المضنية لتقليص قائمة الانتظار التي تضم 7.25 مليون مريض، يتم تقديم سياسات جديدة لتحويل الرعاية بعيداً عن المستشفيات ونحو المجتمعات المحلية. يأتي ذلك رغم تحذيرات الأطباء العامين (GPs) من زيادة أعباء العمل والمخاطر التي قد يتعرض لها المرضى. يضاف إلى ذلك شبح إضرابات الأطباء ونقص الموظفين المتفاقم، مما يجعل المشهد العام للخدمة الصحية قاتماً.

في هذا السياق، علّق مايكل ماكدونيل، نائب الرئيس التنفيذي لمزود الرعاية الافتراضية الأوروبي Doccla، والذي يتمتع بخبرة مباشرة في العمل داخل NHS، قائلاً: "تواجه NHS ضغوطاً غير مسبوقة، مع قائمة انتظار تضم 7.2 مليون مريض، ومرضى ينتظرون في سيارات الإسعاف وفي الممرات، دون توفر الميزانيات المتزايدة التي كانت متاحة في السنوات السابقة." هذه الظروف تستدعي حلولاً جذرية ومبتكرة.

الرعاية الافتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي: حل واعد

في محاولة لتخفيف بعض العبء، بدأت الرعاية الافتراضية المدعومة بالـ AI بالظهور كأداة فعالة لإدارة العدد المتزايد من المرضى خارج نطاق المستشفيات. يتم تطبيق هذه التكنولوجيا للمساعدة في ثلاث مجالات رئيسية وحيوية: قوائم الانتظار، سعة المستشفيات، ورعاية المرضى الذين ينتظرون في الممرات.

يشكل الـ AI حجر الزاوية في كيفية عمل الرعاية الافتراضية على نطاق واسع. تُستخدم نماذج التعلم الآلي (machine learning) لتحديد المرضى المعرضين لخطر التدهور من خلال الجمع بين بيانات NHS ومجموعات البيانات الخاصة بالشركات المزودة لهذه التقنيات. وفي الوقت نفسه، يتم تحليل البيانات المستمرة من الأجهزة القابلة للارتداء ذات الجودة السريرية (مثل تشبع الأكسجين، ضغط الدم، ECG) للكشف عن علامات التحذير المبكرة. يتيح ذلك للفرق السريرية التدخل في وقت أبكر وإدارة مجموعات أكبر بكثير من المرضى بأمان مما كان ممكناً بخلاف ذلك.

نموذج Doccla: ثورة في مراقبة المرضى عن بعد

Doccla هي شركة تقدم خدمات مراقبة المرضى عن بعد وأجنحة افتراضية لمؤسسات NHS. صُمم نموذج Doccla لدعم خروج المرضى المبكر ومنع حالات الإدخال غير الضرورية إلى المستشفيات، لا سيما لأولئك الذين يعانون من حالات صحية مزمنة وطويلة الأمد. هذا النهج يقلل من الضغط على أسرة المستشفيات ويسمح للمرضى بالتعافي في بيئاتهم المنزلية المألوفة.

تتوفر بالفعل أدلة على فعالية Doccla، حيث شهدت NHS انخفاضاً بنسبة 61% في أيام إشغال الأسرة، وانخفاضاً بنسبة 89% في مواعيد الأطباء العامين، وتراجعاً بنسبة 39% في حالات الإدخال غير الاختيارية إلى المستشفيات. هذا لا يعني فقط تحسناً في الكفاءة بفضل البرمجيات المدفوعة بالـ AI، بل يفيد أيضاً في توفير حوالي 450 جنيهاً إسترلينياً يومياً مقارنة بتكلفة سرير المستشفى الواحد، وفقاً للشركة. وتشير الأرقام إلى أن كل جنيه إسترليني يُنفق على هذه التكنولوجيا يوفر على NHS ما يقدر بثلاثة جنيهات إسترلينية مقارنة بالنماذج غير التقنية.

ووضح السيد ماكدونيل: "في Doccla، نستخدم التعلم الآلي لتحديد المرضى المعرضين لخطر التدهور قبل أن يصلوا إلى نقطة الأزمة. يتم تحليل البيانات المستمرة من الأجهزة القابلة للارتداء ذات الجودة السريرية مثل تشبع الأكسجين، ضغط الدم، وتخطيط القلب الكهربائي (ECGs)، مع السجلات الطبية للكشف عن علامات التحذير المبكرة." تسمح هذه الرؤى للفرق السريرية بالتدخل في وقت أبكر وإدارة أعداد أكبر من الحالات مقارنة بالأنظمة التقليدية.

الذكاء الاصطناعي يحسن كفاءة الأطباء ويقلل الأعباء الإدارية

قد يكون للـ AI أيضاً تأثير إيجابي على الحالة النفسية للأطباء، من خلال المساعدة في تقليل العبء الإداري. على سبيل المثال، تُستخدم نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) لتبسيط الملاحظات السريرية وتقديم المعلومات المعقدة للمرضى بطريقة أكثر سهولة ووضوحاً. هذا يوفر وقتاً ثميناً للأطباء يمكنهم استغلاله في رعاية المرضى مباشرة، بدلاً من المهام الورقية الروتينية.

من المهم التأكيد على أن الـ AI لا يُتوقع أن يحل محل الأطباء، بل سيجعلهم أكثر فعالية وكفاءة. لذلك، يمكن للأطباء قراءة هذا الخبر وهم مرتاحو البال، فالهدف هو تمكينهم وليس استبدالهم. هذه التقنيات تعمل كأدوات مساعدة قوية تعزز قدرات الطاقم الطبي.

لا تزال الثقة السريرية في هذه التكنولوجيا منخفضة نسبياً، ولن تنمو إلا من خلال الشفافية وتقديم المزيد من الأدلة على النجاح. يجب على النماذج التنبؤية أيضاً أن تقدم نتائج دقيقة وعادلة لمجموعات متنوعة من المرضى قبل نشرها على نطاق واسع في البيئات السريرية الواقعية. ضمان العدالة والدقة أمر بالغ الأهمية لبناء الثقة وقبول هذه التقنيات.

ماذا يعني هذا لك؟

بالنسبة للمريض، يعني انتشار الرعاية الافتراضية المدعومة بالـ AI إمكانية الحصول على الرعاية الصحية التي يحتاجها في بيئة مألوفة ومريحة، مثل منزله، مما يزيد من استقلاليته وراحته. يمكن أن يؤدي هذا إلى تقليل الحاجة إلى زيارات المستشفى المتكررة أو الإقامة الطويلة فيها، ويقلل من قوائم الانتظار الطويلة التي غالباً ما تسبب القلق للمرضى وعائلاتهم. كما أن الكشف المبكر عن أي تدهور في الحالة الصحية بفضل أجهزة المراقبة يعني تدخلاً أسرع وأكثر فعالية، مما قد يمنع المضاعفات الخطيرة. سيتمكن المرضى من فهم معلوماتهم الصحية المعقدة بشكل أفضل بفضل النماذج اللغوية الكبيرة التي تبسط هذه المعلومات.

أما بالنسبة للنظام الصحي بشكل عام، فإن تبني هذه التقنيات يعني كفاءة أكبر، وتوفيراً للموارد المالية التي يمكن إعادة توجيهها إلى مجالات أخرى حيوية، وتخفيف الضغط الهائل على المستشفيات والطواقم الطبية. إنها خطوة نحو نظام رعاية صحية أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات المجتمع.

نحو مستقبل صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي

بينما تعمل هيئة NHS في المملكة المتحدة على نقل المزيد من الرعاية بعيداً عن المستشفيات ونحو المجتمع، ضمن خطتها "ملاءمة للمستقبل: خطة صحية لمدة 10 سنوات لإنجلترا"، يقف الـ AI في طليعة هذا التحول. إن مستقبل الرعاية الصحية المدعومة بالـ AI سيمكن المرضى من البقاء أكثر استقلالية وتلقي الرعاية التي يحتاجونها في محيطهم المألوف، مما يبشر بعصر جديد من الرعاية الصحية الأكثر كفاءة وإنسانية.

Post a Comment