في عالم الأعمال سريع التطور، حيث يتربع الذكاء الاصطناعي على عرش الابتكار، تبحث المؤسسات عن طرق لتعظيم الاستفادة من بياناتها الهائلة وتحويلها إلى أصول استراتيجية حقيقية. تستكشف هذه المقالة، المبنية على مقابلة معمقة مع جيروم جابريزوسكي، مدير تطوير الأعمال للذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات في شركة HP، كيف تعمل الشركة على سد الفجوة بين الإمكانات النظرية للذكاء الاصطناعي والواقع العملي لتطبيقاته على نطاق المؤسسات.
تحديات استيعاب البيانات وأتمتتها: الطريق إلى الذكاء الاصطناعي الجاهز
لطالما قيل إن البيانات هي "النفط الجديد"، لكن الواقع يظهر أن استغلال هذه البيانات بفعالية يواجه تحديات جمة، خصوصاً على نطاق المؤسسات الكبيرة. يوضح جابريزوسكي أن العديد من المنظمات تقلل من شأن "الدين المعماري والتنظيمي" المتراكم وراء بياناتها. قبل أن تتمكن الأتمتة من أداء دورها، يجب على الشركات معالجة مشكلة تفتت ملكية البيانات عبر الأقسام المختلفة، ووجود مخططات غير متناسقة في الأنظمة، بالإضافة إلى البنية التحتية القديمة التي لم تُصمم أصلاً للتكامل والتشغيل البيني.
ويؤكد جابريزوسكي أن الجهد التقني للأتمتة غالبًا ما يكون أقل من عمل الحوكمة والتكامل الذي يجب أن يسبقها. هذا يعني أن "ترتيب البيت الداخلي للبيانات" هو الخطوة الأولى والأساسية لجعل النماذج الذكية قادرة على إنتاج نتائج ذات مغزى وموثوقة.
الحوسبة السحابية مقابل المحلية: توازن القوة والتكلفة والسيادة
يعد الاختيار بين نماذج الذكاء الاصطناعي المستضافة على السحابة أو الحوسبة المحلية أحد أبرز القرارات التي تواجهها المؤسسات. تشير جذور HP العميقة في مجال الأجهزة إلى فهمها العميق لمتطلبات دورة حياة الذكاء الاصطناعي المستقلة. ليست الإجابة آلة واحدة، بل هي طيف واسع من الحلول.
بالنسبة للمطورين الأفراد، تُعد الحوسبة المحلية القوية ضرورية لتشغيل التجارب دون الاعتماد الكلي على السحابة في كل تكرار. هنا تتألق أجهزة ZBook Ultra و Z2 Mini من HP، التي توفر حوسبة احترافية متنقلة ومدمجة قادرة على تشغيل نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) ومهام العمل الثقيلة في وقت واحد.
أما الفرق التي تركز على الذكاء الاصطناعي، فتقدم HP جهاز ZGX Nano، وهو حاسوب فائق للذكاء الاصطناعي بحجم الكف (15×15 سم)، مدعوم بشريحة NVIDIA GB10 Grace Blackwell الفائقة، بذاكرة موحدة تبلغ 128 جيجابايت وأداء ذكاء اصطناعي يصل إلى 1000 TOPS من FP4. يمكن لوحدة واحدة التعامل مع نماذج تصل إلى 200 مليار معلمة محليًا. وعندما تحتاج الفرق إلى التوسع، يمكن ربط وحدتين معًا عبر وصلة عالية السرعة للعمل مع نماذج تصل إلى 405 مليار معلمة، كل ذلك دون الحاجة إلى السحابة أو مركز بيانات أو قوائم انتظار. يأتي الجهاز مسبق التكوين بحزمة برامج NVIDIA DGX ومجموعة أدوات HP ZGX، مما يمكن الفرق من الانتقال من الإعداد إلى أول سير عمل في دقائق معدودة، وليس أيامًا.
للمستخدمين الأكثر قوة، توفر محطة عمل Z8 Fury ما يصل إلى أربع وحدات معالجة رسوميات NVIDIA RTX PRO 6000 Blackwell في نظام واحد (384 جيجابايت VRAM)، مما يتيح دورة تطوير النماذج الكاملة للتشغيل في الموقع. وفي ذروة الأداء، يُغير ZGX Fury المحادثة تمامًا، حيث يعمل بشريحة NVIDIA GB300 Grace Blackwell Ultra الفائقة بذاكرة متماسكة تبلغ 748 جيجابايت، ويقدم استنتاجًا لنماذج بتريليونات المعلمات على سطح المكتب، وليس في مركز البيانات. ويوضح جابريزوسكي أن هذه الأنظمة يمكن أن تحقق عائدًا على الاستثمار خلال 8 إلى 12 شهرًا مقارنةً بالحوسبة السحابية المكافئة، خاصة للفرق التي تجري عمليات الضبط الدقيق والاستنتاج المستمرة على البيانات الحساسة. تُصمم جميع أجهزة HP Z بأشكال جاهزة للرفوف، مما يتيح دمجها بسهولة في بيئات تكنولوجيا المعلومات المُدارة دون المساس بالأمان أو خصوصية البيانات.
حوكمة نماذج الذكاء الاصطناعي: درع الأمان في التعلم المستمر
مع بدء نماذج الذكاء الاصطناعي في تحديث نفسها بشكل مستمر، تتحول المشاريع من مجرد مشاريع إلى مسؤوليات كبيرة إذا لم تُدر بحذر. تنصح HP العملاء بالتعامل مع تحديثات النماذج بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع نشر التعليمات البرمجية: لا شيء ينتقل إلى الإنتاج بدون بوابة تحقق صارمة.
بالنسبة لمشكلة "انحراف المفهوم" (concept drift)، تعني هذه الإرشادات استخدام مسارات MLOps مع اكتشاف آلي للانحراف ومشغلات يتدخل فيها العنصر البشري قبل إعادة التدريب. أما بالنسبة لـ "تسمم البيانات" (data poisoning)، فهي مشكلة تتعلق بمصدر البيانات بقدر ما هي مشكلة أمنية. من الأهمية بمكان معرفة المصدر الدقيق لبيانات التدريب ومن يمكنه الوصول إليها أو تعديلها. يؤكد جابريزوسكي أن العملاء الذين ينجحون في هذا الجانب ليسوا بالضرورة الأكثر تطوراً تقنياً، بل هم أولئك الذين دمجوا حوكمة الذكاء الاصطناعي في أطر عمل المخاطر الخاصة بهم قبل أن يبدأوا في التوسع.
تحسين تكاليف الذكاء الاصطناعي التوليدي: استراتيجية HP ثلاثية المستويات
تتصاعد تكاليف الحوسبة للذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) بسرعة لدى العديد من المؤسسات، حيث بلغ الإنفاق 37 مليار دولار في عام 2025، وأخفقت 80% من الشركات في توقعات تكاليفها بأكثر من 25%. هذه المشكلة هيكلية وليست دورية، فبينما تنخفض تكاليف الاستنتاج لكل وحدة، يستمر إجمالي الإنفاق في الارتفاع لأن الاستخدام ينمو بوتيرة أسرع من انخفاض التكاليف.
يوضح جابريزوسكي أن نموذج واجهة برمجة تطبيقات السحابة صُمم لأحمال العمل التجريبية ومنخفضة الحجم، ولم يُبنَ ليكون المحرك الاقتصادي للذكاء الاصطناعي الإنتاجي على نطاق واسع. الحل العملي يكمن في "مشكلة انضباط" قبل أن تكون "مشكلة بنية تحتية": وضع خط فاصل واضح بين العمل الاستكشافي وأحمال العمل الإنتاجية، وعدم استخدام نفس نموذج الحوسبة لكلاهما.
يجب أن تُجرى الأعمال التكرارية المبكرة – مثل النمذجة الأولية، الضبط الدقيق، وتقييم النموذج – على الأجهزة المحلية مثل ZGX Nano أو Z8 Fury، حيث يُنفق رأس المال لمرة واحدة بدلاً من استنزاف الميزانية التشغيلية على التجارب التي لا تملك مسارًا واضحًا للعائد على الاستثمار. تعتمد المنظمات الناجحة نموذجًا ثلاثي المستويات: السحابة للتدريب المتقطع والوصول إلى النماذج الحدودية التي تستحقها حقًا، والبنية التحتية المحلية من HP Z للاستنتاج عالي الحجم المتوقع، والحوسبة الطرفية حيث تكون السرعة القصوى أمرًا بالغ الأهمية. تظهر التحليلات المستقلة أن الحلول المحلية يمكن أن توفر ميزة تكلفة تصل إلى 18 ضعفًا لكل مليون رمز على مدار دورة حياة تمتد لخمس سنوات. الرسالة التي تستخدمها HP مع العملاء بسيطة: "السحابة هي للحجم الذي كسبته، وليس للحجم الذي تأمله".
سيادة البيانات وخصوصيتها: حل RAG محليًا
ترغب جميع الشركات في أن تكون بياناتها "جاهزة للذكاء الاصطناعي" دون تعريض المعلومات الحساسة أو المنعزلة للخطر. الخطأ الذي ترتكبه معظم الشركات هو التعامل مع "البيانات الجاهزة للذكاء الاصطناعي" كمشكلة هندسة بيانات، في حين أنها في الواقع مشكلة سيادة بيانات، وتتطلب حلولاً مختلفة. إرسال البيانات الخاصة إلى نموذج سحابي للمعالجة ليس مجرد خطر تعرض، بل هو فشل في الحوكمة ينتظر الحدوث، خاصة في الصناعات الخاضعة للتنظيم حيث يمكن حتى فعل نقل البيانات خارجيًا أن يؤدي إلى انتهاكات الامتثال.
البنية التي تحل هذه المشكلة هي "التوليد المعزز بالاسترجاع" (Retrieval-Augmented Generation - RAG) الذي يعمل على البنية التحتية المحلية. يتيح هذا النهج للنموذج استرداد السياق ذي الصلة من قاعدة المعرفة الداخلية للمؤسسة عند وقت الاستعلام دون التدريب عليها أو تعريضها خارجيًا أبدًا. تبقى بياناتك الخاصة في الموقع، داخل الأجهزة التي تتحكم فيها. على سبيل المثال، يمكن لجهاز ZGX Nano أو Z8 Fury الذي يشغل نموذجًا مستضافًا محليًا أن يدعم خط أنابيب RAG كاملاً ضد المستندات الداخلية الحساسة دون أن تغادر أي بيانات المبنى ودون إنفاق أي رموز على طرف ثالث. يصبح طبقة التحكم في الوصول هي النقطة الحاسمة هنا؛ فنظام RAG المصمم جيدًا يفرض أذونات قائمة على الأدوار على مستوى الاسترجاع، بحيث لا يظهر الذكاء الاصطناعي إلا ما يحق للموظف المعني رؤيته، بنفس طريقة نظام إدارة المستندات الخاص بك. إن الجمع بين الحوسبة المحلية والنموذج المحلي والاسترجاع المحلي والوصول المحكوم هو ما يجعل البيانات الخاصة جاهزة للذكاء الاصطناعي دون تعرض.
ماذا يعني هذا لك؟
إذا كنت تتطلع لدمج الذكاء الاصطناعي في مؤسستك، ابدأ بمعالجة "الدين التقني" لبياناتك لضمان تكاملها ونظافتها. اختر حلول الحوسبة المحلية من HP لسير العمل التجريبي ومهام الاستنتاج الحساسة وعالية الحجم لتقليل التكاليف وزيادة سيادة البيانات. طبق حوكمة صارمة على نماذج الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك بوابات التحقق واكتشاف الانحراف، وفكر في اعتماد RAG على البنية التحتية المحلية لحماية بياناتك الحساسة. وأخيرًا، استعد لتطور دور فريق تكنولوجيا المعلومات لديك من منفذي مهام إلى مصممين وحكام لوكلاء الذكاء الاصطناعي.
تطور دور فرق تكنولوجيا المعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي
مع تصاعد دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، يتغير دور فرق تكنولوجيا المعلومات بشكل جذري. يرى جابريزوسكي أن الوظيفة لم تعد تتلخص في مجرد "إدارة جداول البيانات أو الكتابة على لوحة المفاتيح"، بل أصبحت أكثر أهمية من ذلك بكثير. يشير إلى أن الهدف الأسمى لتكنولوجيا المعلومات هو الحفاظ على مرونة الأعمال وتقدمها، حتى لو كانت المهام اليومية تتعلق بتوفير الخوادم أو فرز الحوادث.
تتوقع جارتنر أن 40% من تطبيقات المؤسسات ستحتوي على وكلاء ذكاء اصطناعي مدمجين بحلول نهاية عام 2026، ارتفاعاً من أقل من 5% قبل عام واحد فقط. هذا يعني أن طبقة التنفيذ الروتيني لتكنولوجيا المعلومات يتم استيعابها بسرعة، لكن طبقة الحوكمة والهندسة تتوسع بنفس السرعة. ما يحدث بالفعل في المنظمات الرائدة هو تحول فرق تكنولوجيا المعلومات من تنفيذ المهام إلى تصميم وحوكمة الوكلاء الذين ينفذون المهام نيابة عنهم.
تكمن الفجوة الهامة في أن شركة واحدة فقط من كل خمس شركات لديها نموذج حوكمة ناضج لذلك حتى الآن. هذا هو المكان الذي تُصبح فيه البنية التحتية التي تعطي الأولوية للعمل المحلي مهمة مرة أخرى. عندما تعمل طبقة الأتمتة لديك على أجهزة تتحكم فيها، فإنك تتمتع بمراقبة كاملة لسلوك الوكيل لا تمتلكها ببساطة عندما تُجرّد أعباء العمل هذه في السحابة. إن فريق تكنولوجيا المعلومات للعامين المقبلين لن يكون الفريق الذي يحافظ على تشغيل الأنظمة، بل سيكون الفريق الذي يقرر أي الوكلاء يُوكل إليهم أي قرارات، ويتأكد من أن البنية التحتية التي يقوم عليها هذا الحكم هي شيء يمكن للعمل أن يعتمد عليه ويثق به حقًا.
الخاتمة: في خضم ثورة الذكاء الاصطناعي، تُقدم HP رؤية واضحة وحلولاً ملموسة للمؤسسات لتبني الذكاء الاصطناعي بشكل استراتيجي وفعال. من خلال التركيز على معالجة ديون البيانات، وتوفير بنية تحتية مرنة ومتدرجة (سلسلة Z)، وضمان حوكمة قوية، وتحسين التكاليف من خلال مزيج مدروس من الحوسبة المحلية والسحابية، وحماية سيادة البيانات عبر حلول مثل RAG، تُمكن HP الشركات من تحويل البيانات إلى ميزة تنافسية حقيقية، مع إعادة تعريف دور فرق تكنولوجيا المعلومات ليكون أكثر استراتيجية وتأثيراً في المستقبل.