في خطوة تعكس جدلاً متزايداً حول دور الذكاء الاصطناعي في الفنون، أعلنت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (AMPAS)، الجهة المانحة لجوائز الأوسكار المرموقة، عن قواعد جديدة تحد من الأهلية للترشح للجوائز، مشترطة أن تكون الأعمال التمثيلية والكتابية من إبداع بشري خالص. هذه اللوائح، التي ستحكم القرارات الخاصة بالدورة التاسعة والتسعين لجوائز الأوسكار في عام 2027، تؤكد بوضوح على أن الأداء "يجب أن يكون من إبداع بشري بشكل واضح" وأن الكتابة "يجب أن تكون من تأليف بشري" لتكون مؤهلة لنيل تمثال الأوسكار الذهبي. يأتي هذا القرار في خضم تحولات سريعة تشهدها صناعات الإبداع حول العالم مع تزايد تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، ويضع خطاً فاصلاً واضحاً في أهم فئات الجوائز السينمائية.
قواعد جديدة لعهد جديد: الأداء البشري أولاً
تمثل هذه التعديلات المحددة سابقة هي الأولى من نوعها التي تفرض فيها الأكاديمية مثل هذا الشرط على الكتابة والتمثيل البشريين. فلطالما كانت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من صناعة الأفلام، حيث تم استخدام المؤثرات البصرية الحاسوبية (CGI) على نطاق واسع منذ التسعينيات لإنشاء عوالم وشخصيات لم تكن ممكنة من قبل. ومع ذلك، يُنظر إلى أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم على أنها وسيلة للأتمتة الكاملة، قادرة على إنشاء محتوى معقد من مجرد موجهات بسيطة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول تعريف "الابتكار" و"الفن" في عصرنا.
وأوضحت الأكاديمية أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في جوانب أخرى من صناعة الأفلام، بخلاف التمثيل والكتابة، "لن يساعد أو يضر بفرص الحصول على ترشيح". وهذا يعني أن مخرجي الأفلام يمكنهم الاستمرار في استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض مثل التحرير أو المؤثرات الخاصة أو تصميم الصوت، طالما أن جوهر الإبداع البشري في فئتي التمثيل والكتابة يظل سليماً. وأضاف البيان أن "الأكاديمية وكل فرع سيحكم على الإنجاز، مع الأخذ في الاعتبار الدرجة التي كان فيها الإنسان في قلب التأليف الإبداعي عند اختيار الفيلم الذي سيتم منحه الجائزة". كما تحتفظ المنظمة بالحق في طلب المزيد من المعلومات حول طبيعة الاستخدام والتأليف البشري إذا نشأت أسئلة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل الإبداعي الذي يتم تقييمه في الأوسكار.
صناعة السينما في مواجهة الذكاء الاصطناعي: أصوات ومخاوف
لقد بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي في محاكاة العمل البشري داخل صناعة السينما، تماماً كما حدث في قطاعات أخرى. شهدنا بالفعل إعادة إنتاج صوت الممثل فال كيلمر بعد وفاته لدور قيادي في فيلم قادم، وظهور ممثلين مزيفين يكتسبون شهرة عالمية بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. هذه التطورات تثير قلقاً متزايداً بشأن فقدان الأصالة الفنية وقيمة العمل البشري.
ولم يكن هذا الجدل جديداً، فقد سلط إضراب اتحاد كتاب هوليوود عام 2023 الضوء على قضية استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص للأفلام والاستوديوهات التلفزيونية، مطالبين بضمانات لحماية وظائفهم وإبداعاتهم. وفي عام 2025، أعرب ممثلو هوليوود عن غضبهم من الممثلة التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، تيلي نوروود. وصرحت نقابة ممثلي الشاشة - الاتحاد الأمريكي لفناني الراديو والتلفزيون (SAG-AFTRA)، وهي نقابة عمالية تمثل الممثلين والراقصين وغيرهم من الفنانين المبدعين، بأن "نوروود ليست ممثلة، إنها شخصية تم إنشاؤها بواسطة برنامج كمبيوتر تم تدريبه على أعمال عدد لا يحصى من الفنانين المحترفين".
كما عبر العديد من الشخصيات البارزة في الصناعة عن مخاوفهم. فقد تساءل الممثل الشهير ماثيو ماكونهي مؤخراً عن إمكانية مكافأة الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأوسكار، قائلاً: "من المؤكد أنه سيتسلل إلى فئتنا. هل سيصبح فئة أخرى؟ هل سنشهد، في غضون خمس سنوات، جائزة لأفضل فيلم بالذكاء الاصطناعي؟" هذه التساؤلات تعكس القلق العميق من أن تتغير طبيعة الجوائز نفسها لتشمل إبداعات غير بشرية.
نظرة مختلفة: احتضان التكنولوجيا بدلاً من الخوف منها
في المقابل، وبينما تعمل الأوسكار على تعزيز متطلباتها البشرية، استضاف مهرجان الأفلام العالمية للذكاء الاصطناعي (WAIFF) فعالياته مؤخراً في مدينة كان الفرنسية. وقد عرض المهرجان رؤى سينمائية جديدة مدعومة بالتكنولوجيا، مبرزاً ما أسماه "موجة جديدة" من السينما المدعومة بالذكاء الاصطناعي. يقترح ماركو فاندي، مؤسس مهرجان WAIFF، أن استوديوهات هوليوود تخشى التكنولوجيا الجديدة فحسب، وعليها أن تحتضن التطور بدلاً من ذلك. هذه النظرة تدعو إلى التفكير في الذكاء الاصطناعي كأداة للابتكار والتوسع الفني، وليس بالضرورة تهديداً للإبداع البشري، شرط أن يتم استخدامه بمسؤولية.
تُظهر هذه المواقف المتضاربة النقاش الدائر في الصناعة حول كيفية المضي قدماً. فهل يجب أن نضع حواجز صارمة للحفاظ على نقاء الفن البشري، أم أننا نخاطر بتفويت فرصة لإعادة تعريف حدود الإبداع السينمائي؟ قرار الأكاديمية لا يحظر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في صناعة الأفلام بشكل عام، ولكنه يضع حدوداً لدوره في الاعتراف بالجوائز، مانحاً الأسبقية للفن البشري على الأتمتة الخوارزمية.
ماذا يعني هذا لك؟
إذا كنت صانع أفلام، كاتباً، ممثلاً، أو ببساطة من عشاق السينما، فإن هذه القواعد الجديدة تحمل دلالات مهمة. بالنسبة للمبدعين، هذا يعني أن التركيز يجب أن يظل على اللمسة البشرية الأصيلة في جوهر العمل، خاصة في فئات التمثيل والكتابة. بينما يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تكون مساعدة قيمة في العمليات الفنية والتقنية الأخرى، فإن الاعتراف بالتميز في الأوسكار سيظل مرهوناً بالإبداع البشري الذي لا لبس فيه.
بالنسبة للمشاهدين، قد يوفر هذا القرار نوعاً من الطمأنينة بأن الأفلام الحائزة على جوائز الأوسكار ستستمر في تجسيد أقصى درجات الفن والتعبير البشري. كما أنه يعكس نقاشاً أوسع في المجتمع حول كيفية دمج التكنولوجيا المتقدمة دون التضحية بالقيم الأساسية التي نوليها أهمية للفن والإبداع. هذا التطور يدعو كل المعنيين بصناعة السينما إلى إعادة تقييم أدوارهم وعملياتهم، والتفكير بعمق في مستقبل الفن في عصر الذكاء الاصطناعي.
خاتمة
يعد قرار أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة بتحديد شروط صارمة للتأليف البشري في فئات التمثيل والكتابة خطوة محورية في محاولة للحفاظ على جوهر الفن السينمائي في عصر الذكاء الاصطناعي المتطور. إنه يعكس التحدي الأكبر الذي يواجه الصناعات الإبداعية: كيفية الاستفادة من التكنولوجيا دون فقدان الأصالة والقيمة التي يجلبها الإبداع البشري الفريد. بينما لا يحظر الأوسكار الذكاء الاصطناعي تماماً من عملية صناعة الأفلام، فإنه يرسل رسالة واضحة مفادها أن التميز الفني الذي يستحق التكريم في أعلى مستوياته يجب أن ينبع من العقل والروح البشرية. يبقى أن نرى كيف ستتكيف الصناعة مع هذه القواعد الجديدة وما إذا كانت هذه الخطوة ستنجح في حماية الإرث الفني للأوسكار لسنوات قادمة.